أحمد عاطف — مدرّس اللغة العربية
أحمد عاطفمدرّس اللغة العربية
📞 01094474794

الفصل السابع

فصل من القصةالصف الحادى عشرالفصل الدراسي الأولص ٣٤ - ٤١
🏠 الرئيسية › الصف الحادى عشر › القصة
📄 ورقة المذاكرة — بالإجابات النموذجية🔎 صفحة ورقة العمل

ملخّص الفصل

استقر المقام بقطز وجلنار في دمشق بقصر الشيخ غانم المقدسي، وهو رجل كريم من أعيان المدينة عطف عليهما وعوضهما حنان الأبوة، خاصة بعد يئسه من إصلاح ابنه الفاسد موسى. ومرت عشر سنوات ترعرع فيها الصبيان ونمت بينهما ألفة وحب شديدان، ولكن فرحتهما شُيبت بالحزن حين بلغتهم أنباء مقتل السلطان جلال الدين وهلاك جنكيز خان، فانقطع أملهما في العودة إلى الملك واستسلما لرقّهما في كنف سيدهما الرحيم.

انقلبت الأحداث رأساً على عقب بوفاة الشيخ غانم، إذ تنمر ابنه موسى وبدأ باضطهاد قطز وجلنار، ثم تآمر مع الوصي والسمسار لبيع جلنار لرجل من مصر تخلصاً منها وتفريقاً بين الحبيبين. وبعد وداع مفجع ومؤثر لجلنار، رفض قطز البقاء تحت سلطة موسى ولجأ إلى صديقه الحاج علي الفراش خادم ابن الزعيم، الذي فطن لنسب قطز الملكي ووعده بالتدخل لدى سيده لشرائه وتخليصه من العذاب.

فصل من القصة — ص ٣٤ - ٤١

قبل أن نقرأ

يتوقع من الفصل معرفة تفاصيل حياة قطز وجلنار بدمشق في كنف الشيخ غانم والمحنة الجديدة التي تعرضا لها بعد وفاته.

  • كيف عاش قطز وجلنار في قصر الشيخ غانم المقدسي بدمشق وما أثر نبأ موت السلطان جلال الدين عليهما؟
  • ما الفاجعة التي أحدثها موسى بعد وفاة أبيه وكيف خطط الحاج علي الفراش لتخليص قطز من بطشه؟

الفقرة 1

اطْمَأَنَّ بِالصَّبِيَّيْنِ الْمَقَامُ بِدِمَشْقَ عِنْدَ سَيِّدِهِمَا الْجَدِيدِ الشَّيْخِ غَانِمٍ الْمَقْدِسِيِّ، وَنَزَلَا فِي قَصْرِهِ الْكَبِيرِ بِدَرْبِ الْقَصَّاعِينَ، تُحِيطُ بِهِ حَدِيقَةٌ غَنَّاءُ حَافِلَةٌ بِالْكُرُومِ وَأَشْجَارِ التِّينِ وَالتُّفَّاحِ وَالزَّيْتُونِ. وَكَانَ الشَّيْخُ غَانِمٌ الْمَقْدِسِيُّ مِنْ أَعْيَانِ دِمَشْقَ وَوُجَهَائِهَا الْمَعْدُودِينَ، لَهُ أَمْلَاكٌ كَبِيرَةٌ وَضِيَاعٌ وَاسِعَةٌ وَرِثَهَا عَنْ آبَائِهِ، وَكَانَ رَجُلًا طَيِّبًا يُحِبُّ الصَّدَقَةَ وَيَحْضُرُ مَجَالِسَ الْعِلْمِ، وَقَدْ كَبِرَ فِي السِّنِّ وَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ إِلَّا ابْنٌ يُدْعَى مُوسَى كَانَ قَدْ أَنْفَقَ فِي تَرْبِيَتِهِ وَتَهْذِيبِهِ كَثِيرًا مِنَ الْمَالِ؛ لِيَجْعَلَ مِنْهُ رَجُلًا صَالِحًا يُخَلِّدُ ذِكْرَهُ، وَيَخْلُفُهُ فِي بَيْتِهِ الْمَجِيدِ، وَلَكِنَّ مُوسَى أَخْلَفَ ظَنَّ أَبِيهِ فِيهِ، فَنَشَأَ فَاسِدَ الْخُلُقِ مَيَّالًا إِلَى اللَّهْوِ وَمُخَالَطَةِ عُشَرَاءِ السُّوءِ مِنَ الْفِتْيَانِ الْخُلُعَانِ الْمَاجِنِينَ، وَقَدْ حَاوَلَ أَبُوهُ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَفْلَحْ، وَمَا زَادَ مُوسَى إِلَّا عُتُوًّا وَنُفُورًا حَتَّى يَئِسَ مِنْ إِصْلَاحِهِ، فَتَرَكَ حَبْلَهُ عَلَى غَارِبِهِ وَاعْتَبَرَهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ. وَلَوْلَا مَكَانُ وَال والدَتِهِ وَشَفَاعَتُهَا فِيهِ لَطَرَدَهُ مِنْ بَيْتِهِ وَتَخَلَّصَ مِنْ مَعَرَّتِهِ. وَقَدْ دَفَعَهُ يَأْسُهُ مِنْ وَلَدِهِ إِلَى التَّفْكِيرِ فِي أَنْ يَبْتَاعَ غُلَامًا وَسِيمًا حَسَنَ الطَّلْعَةِ عَسَى أَنْ يَتَّخِذَهُ وَلَدًا يَأْنَسُ بِهِ، وَيَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ، وَيَجِدُ عِنْدَهُ مِنَ الْبِرِّ وَالِاسْتِقَامَةِ مَا فَقَدَهُ فِي وَلَدِهِ. فَجَهَدَ زَمَنًا يَتَتَبَّعُ أَسْوَاقَ الرَّقِيقِ لِيَجِدَ الْغُلَامَ الَّذِي يَطْمَحُ إِلَيْهِ حَتَّى وَجَدَ ضَالَّتَهُ فِي قُطُزَ فَاشْتَرَاهُ وَلَمْ يَتَرَدَّدْ، لِمَا تَوَسَّمَ فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ وَالنُّبْلِ، وَعَنَّ لَهُ لَمَّا رَأَى جُلَّنَارَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا أَيْضًا، لِيَتَّخِذَهَا ابْنَةً تُؤْنِسُهُ وَتُؤْنِسُ زَوْجَتَهُ الْعَجُوزَ.
الفكرة الرئيسة
اسْتِقْرَارُ قُطُزَ وَجُلَّنَارَ بِقَصْرِ الشَّيْخِ غَانِمٍ الْمَقْدِسِيِّ بِدِمَشْقَ وَسُوءُ خُلُقِ ابْنِهِ مُوسَى.
  • ضِيَاعٌ: أَرَاضٍ وَمَزَارِعُ وَاسِعَةٌ
  • الْخُلُعَانِ: الْفَاسِدُونَ الْخَارِجُونَ عَنِ الطَّاعَةِ
  • مَعَرَّتِهِ: إِثْمِهِ وَعَيْبِهِ وَأَذَاهُ
  • عَنَّ لَهُ: ظَهَرَ وَبَدَا لَهُ رَأْيٌ جَدِيدٌ

الفقرة 2

وَشَاءَ اللَّهُ أَلَّا تُخْطِئَ فِرَاسَةُ الشَّيْخِ فِي الصَّبِيَّيْنِ فَلَمْ تَمْضِ عَلَيْهِمَا فِي حَوْزَتِهِ إِلَّا أَيَّامٌ قَلَائِلُ حَتَّى تَبَيَّنَ إِخْلَاصُهُمَا فِي حُبِّهِ وَتَعَلُّقُهُمَا الشَّدِيدُ بِهِ. فَأَحَبَّهُمَا وَأَنْزَلَهُمَا مِنْ نَفْسِهِ مَنْزِلًا كَرِيمًا، وَبَالَغَ فِي رِعَايَتِهِمَا وَالْحَدَبِ عَلَيْهِمَا، وَوَكَّلَ بِهِمَا مَنْ سَاعَدَهُمَا عَلَى تَعَلُّمِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، فَكَانَ لَهُمَا مِنْ ذَكَائِهِمَا مَا أَسْرَعَ بِهِمَا إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَإِتْقَانِهِ فِي زَمَنٍ قَصِيرٍ. وَوَرَدَتِ الْأَنْبَاءُ إِذْ ذَاكَ بِمَوْتِ الطَّاغِيَةِ جَنْكِيزَ خَانَ فِي مَسْقَطِ رَأْسِهِ، وَأَنَّ قَوْمَهُ التَّتَارَ الَّذِينَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ السُّلْطَانَ جَلَالَ الدِّينِ قَدِ انْحَسَرُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَرَجَعُوا عَنْ غَزْوِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ لَمَّا بَلَغَهُمْ خَبَرُ هَلَاكِهِ. فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ فَرَحًا عَظِيمًا، وَذَهَبَ عَنْهُمْ مَا كَانَ يُسَاوِرُهُمْ مِنَ الْخَوْفِ وَالْهَلَعِ، وَحَمِدُوا اللَّهَ عَلَى أَنْ كَفَاهُمْ شَرَّ أُولَئِكَ الْغُزَاةِ الْمَتُوَحِّشِينَ الَّذِينَ يُنْزِلُونَ الْهَلَاكَ وَالدَّمَارَ وَالنِّقْمَةَ وَالْعَذَابَ بِكُلِّ بَلَدٍ يَنْزِلُونَهُ، وَبَلَغَهُمْ كَذَلِكَ مَوْتُ السُّلْطَانِ جَلَالِ الدِّينِ قَتِيلًا فِي جَبَلِ الْأَكْرَادِ حِينَ لَجَأَ إِلَيْهِ بَعْدَمَا انْهَزَمَ مِنْ عَدُوِّهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ شَمَتَ بِمَوْتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَزِنَ عَلَيْهِ لَمَّا قَامَ بِهِ وَقَامَ أَبُوهُ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ جِهَادِ التَّتَارِ وَصَدِّ جُمُوعِهِمْ عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ.
الفكرة الرئيسة
حُسْنُ رِعَايَةِ الشَّيْخِ غَانِمٍ لِلصَّبِيَّيْنِ وَتَعَلُّمُهُمَا الْعَرَبِيَّةَ، وَوُصُولُ أَنْبَاءِ مَوْتِ جَنْكِيزَ خَانَ وَجَلَالِ الدِّينِ.
  • فِرَاسَةُ: مَهَارَةُ مَعْرِفَةِ بَوَاطِنِ النَّاسِ مِنْ ظَوَاهِرِهِمْ
  • الْحَدَبِ: الْعَطْفُ وَالشَّفَقَةُ وَالرِّعَايَةُ
  • يُسَاوِرُهُمْ: يُخَالِطُهُمْ وَيُصِيبُهُمْ
  • الْهَلَعِ: الْخَوْفُ الشَّدِيدُ وَالْجَزَعُ

الفقرة 3

اسْتَفَاضَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ فِي دِمَشْقَ حَتَّى صَارَتْ حَدِيثَ النَّاسِ فِي مَجَالِسِهِمْ وَأَسْمَارِهِمْ، وَتَذَكَّرُوا وَقَائِعَ جَلَالِ الدِّينِ وَخَوَارَزْمَ شَاهْ مَعَ التَّتَارِ، وَمَا حَلَّ بِهِمَا وَبِبَيْتِهِمَا مِنَ النَّكَبَاتِ الْعِظَامِ، حَتَّى انْطَوَى مُلْكُهُمَا، وَانْقَطَعَ دَابِرُهُمَا وَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِهِمَا مِنْ أَحَدٍ. وَلَكِنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ابْنَ جَلَالِ الدِّينِ وَابْنَ أُخْتِهِ يَعِيشَانِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فِي قَصْرٍ مِنْ قُصُورِ مَدِينَتِهِمِ الْعَظِيمَةِ، وَعِنْدَ رَجُلٍ مِنْ كِبَارِ أَعْيَانِهَا. وَقَدْ حَزِنَ قُطُزُ وَجُلَّنَارُ لَمَّا بَلَغَهُمَا مَوْتُ جَلَالِ الدِّينِ، وَقَدْ كَانَا يُمَنِّيَانِ أَنْفُسَهُمَا بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، فَانْقَطَعَ أَمَلُهُمَا فِي ذَلِكَ، وَأَيْقَنَا أَنَّهُمَا سَيَبْقَيَانِ فِي رِقِّهِمَا إِلَى الْأَبَدِ، وَإِنَّمَا عَزَّاهُمَا فِي ذَلِكَ وَخَفَّفَ مِنْ حُزْنِهِمَا مَا كَانَا يَجِدَانِ مِنْ بِرِّ مَوْلَاهُمَا وَحُسْنِ رِعَايَتِهِ وَإِحْسَانِهِ، فَجَعَلَهُمَا يَسْلُوَانِ مُصَابَهُمَا وَشِيكًا. وَمَضَتِ الْأَحْدَاثُ تَتَرَى، وَانْقَضَتْ لَهُمَا فِي بَيْتِ الشَّيْخِ غَانِمٍ الْمَقْدِسِيِّ عَشَرَةُ أَعْوَامٍ أَوْ تَزِيدُ مَنَيَا فِيهَا وَتَرَعْرَعَا حَتَّى بَلَغَ قُطُزُ مَبْلَغَ الرِّجَالِ، وَبَلَغَتْ جُلَّنَارُ مَبْلَغَ النِّسَاءِ، وَكَانَتِ الْأُلْفَةُ بَيْنَهُمَا تَنْمُو مَعَهُمَا وَتَتَرَعْرَعُ، فَشَعَرَا بِفُيُوضٍ مِنَ السَّعَادَةِ لَمْ يَشْعُرَا بِمِثْلِهَا قَطُّ تَغْمُرُهُمَا فَتُنْسِيهِمَا كُلَّ مَا مَرَّ بِهِمَا مِنْ نَعِيمِ الْمُلْكِ، وَمَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ صُرُوفِ الْأَيَّامِ وَنَكَبَاتِهَا. وَحَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِمَا فَصَارَتْ رِيَاضًا وَأَنْهَارًا وَوُرُودًا وَأَزْهَارًا، وَطُيُوفًا مِنْ ضِيَاءِ الشَّفَقِ الْبَهِيجِ.
الفكرة الرئيسة
حُزْنُ قُطُزَ وَجُلَّنَارَ لِمَوْتِ جَلَالِ الدِّينِ وَنُمُوُّهُمَا فِي كَنَفِ الشَّيْخِ غَانِمٍ وَانْقِضَاءُ عَشْرِ سَنَوَاتٍ مِنَ السَّعَادَةِ.
  • دَابِرُهُمَا: أَصْلُهُمَا وَنَسْلُهُمَا الْمُمْتَدُّ
  • تَتَرَى: تَتَتَابَعُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ
  • وَشِيكًا: سَرِيعًا وَقَرِيبًا
  • حَلِيَتِ: حَسُنَتْ وَحَلُوَتْ فِي أَعْيُنِهِمَا

الفقرة 4

وَاشْتَدَّتِ الْعِلَّةُ بِالشَّيْخِ غَانِمٍ، فَقَلِقَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَنْ فِي الْقَصْرِ، إِلَّا ابْنَهُ مُوسَى، فَقَدْ فَرِحَ بِذَلِكَ وَرَجَا بِأَنْ سَيَخْلُو لَهُ وَجْهُ أَبِيهِ فَيَتَصَرَّفُ فِي أَمْوَالِهِ وَأَمْلَاكِهِ كَمَا يَشَاءُ، وَيَنْتَقِمُ مِنْ قُطُزَ، فَيُهِينُهُ وَيَضْطَهِدُهُ وَيَنْتَزِعُ جُلَّنَارَ مِنْهُ، وَيُكْرِهُهَا عَلَى الْخُضُوعِ لِمَا يُرِيدُ، وَتَمَادَى فِي الْغَيِّ حِينَ أَيَّقَنَ بِقُرْبِ وَفَاةِ أَبِيهِ. وَمَاتَ الشَّيْخُ غَانِمٌ الْمَقْدِسِيُّ بَعْدَ حَيَاةٍ مَدِيدَةٍ قَضَاهَا فِي الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَى الْيَتَامَى وَالْأَرَامِلِ؛ فَبَكَاهُ النَّاسُ وَأَسِفُوا لِفَقْدِهِ وَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا ذَكَرُوا ابْنَهُ مُوسَى عَزَّ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَخْلُفَ هَذَا الرَّجُلَ الصَّالِحَ إِلَّا ذَلِكَ الْوَلَدُ الطَّالِحُ! وَأَمَّا قُطُزُ وَجُلَّنَارُ فَقَدْ رَحَلَ عَنْهُمَا مِنْهُ وَالِدٌ كَرِيمٌ، رَؤُوفٌ بِهِمَا رَحِيمٌ، فَبَكَيَاهُ أَحَرَّ الْبُكَاءِ وَوَاسَيَا زَوْجَتَهُ الْعَجُوزَ بِكُلِّ مَا فِي وُسْعِهِمَا، وَقَامَا عَلَى خِدْمَتِهَا، وَصَبَرَا فِي سَبِيلِهَا عَلَى مَا يُصِيبُهُمَا مِنْ لِسَانِ مُوسَى وَيَدِهِ، إِذْ تَنَمَّرَ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ، وَجَعَلَ يَضْطَهِدُهُمَا، وَيَعْتَدِي عَلَى قُطُزَ بِالسَّبِّ وَالضَّرْبِ، فَمَا يُجِيبَانِهِ بِغَيْرِ الصَّبْرِ وَالسُّكُوتِ إِكْرَامًا لِمَوْلَاهُمَا وَرِعَايَةً لِمَوْلَاتِهِمَا الْحَزْنَى.
الفكرة الرئيسة
وَفَاةُ الشَّيْخِ غَانِمٍ الْمَقْدِسِيِّ وَبُكَاءُ الْقَصْرِ عَلَيْهِ وَتَنَمُّرُ ابْنِهِ مُوسَى وَاضْطِهَادُهُ لِقُطُزَ وَجُلَّنَارَ.
  • الْغَيِّ: الضَّلَالُ وَالْفَسَادُ وَالشَّرُّ
  • تَنَمَّرَ: صَارَ شَرِسًا كَالنَّمِرِ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ وَعُدْوَانُهُ
  • الطَّالِحُ: الْفَاسِدُ الشِّرِّيرُ ضِدَّ الصَّالِحِ
  • وُسْعِهِمَا: طَاقَتِهِمَا وَقُدْرَتِهِمَا

الفقرة 5

وَكَانَ قَدْ أَحْضَرَ سَمْسَارًا مَعَهُ، لِيَجِيءَ بِمُبْتَاعٍ لِلْجَارِيَةِ، وَجَعَلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا، فَمَا كَانَ مِنَ الْوَصِيِّ إِلَّا أَنْ بَاعَ الْجَارِيَةَ لِلَّسَمْسَارِ، وَبَاعَهَا السَّمْسَارُ لِرَجُلٍ مِنْ مِصْرَ. فَفُوجِئَتْ أُمُّ مُوسَى بِمَبِيعِ جُلَّنَارَ عَلَى غَيْرِ عِلْمِهَا، فَبَعَثَتْ إِلَى الْوَصِيِّ تُعَاتِبُهُ عَلَى مَا صَنَعَ، وَتُلِحُّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقِيلَ وَيَسْتَعِيدَهَا مِنَ الْبَيْعَةِ، وَلَكِنَّ مُوسَى قَدْ أَوْعَزَ لِلرَّجُلِ الْمِصْرِيِّ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَقْبَلَ الصَّفْقَةَ، وَأَصَرَّ عَلَى طَلَبِ الْجَارِيَةِ، فَمَا وَسِعَ الْوَصِيَّ إِلَّا تَسْلِيمُهَا إِلَيْهِ. وَلَمَّا عَلِمَتْ جُلَّنَارُ بِأَنَّهَا سَتُحْمَلُ وَشِيكًا إِلَى مَوْلَاهَا الْجَدِيدِ، بَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا وَتَشَبَّثَتْ بِثِيَابِ مَوْلَاتِهَا مُسْتَغِيثَةً بِهَا أَلَّا تَرْضَى بِتَسْلِيمِهَا، قَائِلَةً: «اقْتُلِينِي يَا سَيِّدَتِي وَلَا تُسَلِّمِينِي إِلَى هَؤُلَاءِ»، فَضَمَّتْهَا الْعَجُوزُ إِلَيْهَا، وَأَجَابَتْهَا وَالدُّمُوعُ تَنْهَمِرُ مِنْ عَيْنَيْهَا: «تَعْلَمِينَ يَا جُلَّنَارُ أَنْ لَيْسَ لِي مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، وَأَنَّكِ لَأَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ ابْنَتِي، وَقَدِ اجْتَهَدْتُ أَنْ أَحْتَفِظَ بِكِ، وَلَكِنْ مَاذَا أَصْنَعُ وَقَدْ بَاعُوكِ بِغَيْرِ عِلْمِي؟ لَعَنَ اللَّهُ ابْنِي فَشَدَّ مَا عَذَّبَنِي وَآذَانِي، يَا لَيْتَنِي عَقِرْتُ فَلَمْ أَحْمِلْ بِهِ، أَوْ لَيْتَنِي إِذْ حَمَلْتُ بِهِ أُسْقِطُهُ! لَنْ يَكَفَّ عَنِّي هَذَا الْوَلَدُ الْعَاقُّ حَتَّى يُلْحِقَنِي بِأَبِيهِ. حَسْبِيَ اللَّهُ مِنْكَ يَا مُوسَى حَسْبِيَ اللَّهُ مِنْكَ». وَكَانَ قُطُزُ وَاقِفًا يَنْظُرُ إِلَيْهِمَا، وَيَبْكِي، حَتَّى رَأَى مُوسَى قَدْ أَقْبَلَ وَمَعَهُ السَّمْسَارُ وَجَمَاعَتُهُ، فَكَفَّكَفَ دَمْعَهُ وَكَتَمَ جَزَعَهُ، وَأَظْهَرَ التَّجَلُّدَ مَكَانَهُ، وَوَقَفَ كَأَنَّهُ تِمْثَالٌ مِنَ الصَّخْرِ الْأَصَمِّ، وَلَمَّا رَأَتْهُمْ جُلَّنَارُ وَعَلِمَتْ أَنْ لَا مَنَاصَ لَهَا مِنَ الْمَسِيرِ مَعَهُمْ، أَرْسَلَتْ ثِيَابَ مَوْلَاتِهَا الْوَالِهَةِ الْحَسْرَى، وَانْدَفَعَتْ إِلَى حَبِيبِهَا قُطُزَ تُوَدِّعُهُ وَدَاعًا حَارًّا مَفْعَمًا بِالْحَسْرَةِ وَالْأَلَمِ. وَهُوَ يَقُولُ لَهَا: «أَسْتَوْدِعُكِ اللَّهَ يَا حَبِيبَتِي، أَسْتَوْدِعُكِ اللَّهَ يَا جُلَّنَارُ، سَيَجْمَعُ اللَّهُ شَمْلَنَا بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ»، فَاَسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ جُلَّنَارُ وَهِيَ تَقُولُ: «أَسْتَوْدِعُكِ اللَّهَ يَا مَحْمُودُ، أَسْتَوْدِعُكِ اللَّهَ يَا حَبِيبِي». وَمَالَتْ إِلَى مَوْلَاتِهَا فَأَهْوَتْ عَلَى رَأْسِهَا تُقَبِّلُهُ حَتَّى بَلَّلَتْهُ بِدُمُوعِهَا، وَالْعَجُوزُ تَلْثَمُ أَطْرَافَهَا وَتَبْكِي، إِلَى أَنْ تَقَدَّمَ قُطُزُ فَجَذَبَهَا وَهُوَ يَقُولُ: «حَسْبُكِ يَا جُلَّنَارُ، تَوَكَّلِي عَلَى اللَّهِ وَلَا تَحْبِسِي أَصْحَابَكِ، وَثِقِي».
الفكرة الرئيسة
بَيْعُ جُلَّنَارَ لِرَجُلٍ مِصْرِيٍّ بِمَكِيدَةٍ مِنْ مُوسَى وَالْوَدَاعُ الْمُفْجِعُ الشَّاجِنُ بَيْنَ الْحَبِيبَيْنِ.
  • أَوْعَزَ: أَشَارَ وَسَارَّ وَأَغْرَى سِرًّا
  • لَا مَنَاصَ: لَا مَهْرَبَ وَلَا مَفَرَّ
  • مَفْعَمًا: مُمْتَلِئًا وَمَشْحُونًا
  • الْوَالِهَةِ: الْحَزِينَةِ الْفَاقِدَةِ لِعَقْلِهَا مِنَ الْحُزْنِ

الفقرة 6

قَالَ لَهَا: «يَا مَوْلَاتِي إِنِّي لَا أُرِيدُ بِخِدْمَتِكِ بَدَلًا، بَيْدَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَحَرَّشَ بِي مُوسَى - وَقَدْ نَفَدَ صَبْرِي - فَأُسِيءَ فَيُغْضِبَكِ ذَلِكَ مِنِّي». فَقَالَتْ: «مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَغْضَبَ لِمُوسَى مِنْكَ. لَوْ قَتَلْتَهُ لَأَرَحْتَنِي مِنْهُ». فَأَجَابَهَا: «مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَعْتَدِيَ عَلَى ابْنِ مَوْلَايَ الَّذِي أَكْرَمَ مَثْوَايَ وَأَحْسَنَ إِلَيَّ». وَاسْتَأْذَنَ قُطُزُ مَوْلَاتَهُ، فَمَضَى إِلَى صَدِيقِهِ الْحَمِيمِ الْحَاجِّ عَلِيٍّ الْفَرَّاشِ، وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا يَخْدُمُ سَرِيًّا آخَرَ مِنْ سَرَاةِ دِمَشْقَ وَأَعْيَانِهَا، يُقَالُ لَهُ ابْنُ الزَّعِيمِ، كَانَ يَسْكُنُ فِي قَصْرٍ قَرِيبٍ مِنْ قَصْرِ الشَّيْخِ غَانِمٍ الْمَقْدِسِيِّ، لَا يَقِلُّ عَنْهُ سَعَةً وَفَخَامَةً، وَكَانَ قُطُزُ كَثِيرَ الِاخْتِلَافِ إِلَيْهِ، يَجْلِسُ مَعَهُ عَلَى مَصْطَبَةٍ كَبِيرَةٍ مُظَلَّلَةٍ بِفُرُوعِ الشَّجَرِ تَقَعُ عِنْدَ مَدْخَلِ بُسْتَانِ ابْنِ الزَّعِيمِ، فَيَشْكُو قُطُزُ هُمُومَهُ إِلَيْهِ وَيَبُثُّهُ آلَامَهُ وَيَسْتَشِيرُهُ فِي شُؤُونِهِ، وَيَتَجَاذَبَانِ أَطْرَافَ الْحَدِيثِ فِي شُؤُونٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَكَانَ الْحَاجُّ عَلِيٌّ شَدِيدَ الْعَطْفِ عَلَى قُطُزَ وَالْحُبِّ لَهُ، وَقَدْ أَحَسَّ فِي ضَمِيرِهِ بِمَا أُعْطِيَ مِنْ قُوَّةِ الْفِرَاسَةِ وَصِدْقِ الْحَدْسِ، أَنْ لَا بُدَّ لِهَذَا الْمَمْلُوكِ فِي صَبَاحَةِ وَجْهِهِ، وَنُبْلِ خِلَالِهِ مِنْ سِرٍّ يَكْتُمُهُ عَنِ النَّاسِ جَمِيعًا. فَاجْتَهَدَ زَمَنًا أَنْ يَكْتَشِفَ هَذَا السِّرَّ مِنْ صَدِيقِهِ الشَّابِّ فَلَمْ يُوَفَّقْ، إِلَّا أَنَّ ظَنَّهُ لَمْ يَزْدَدْ عَلَى الْأَيَّامِ إِلَّا قُوَّةً عِنْدَهُ بِمَا كَانَ يُؤَيِّدُهُ مِنْ فَلَتَاتِ لِسَانِ صَاحِبِهِ فِي ثَنَايَا حَدِيثِهِ، فَجَعَلَ يَضُمُّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيَسْتَخْرِجُ مِنْهَا صُورَةً غَامِضَةً لِأَصْلِ هَذَا الْغُلَامِ. فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِ حَيَّاهُ، وَفَرَشَ لَهُ عَلَى الْمَصْطَبَةِ كَعَادَتِهِ، وَأَخَذَ يُعَزِّيهِ فِي وَفَاةِ مَوْلَاهُ وَيُعَدِّدُ مَنَاقِبَهُ وَمَكَارِمَهُ، فَمَضَى قُطُزُ يَشْكُو إِلَيْهِ مَا أَصَابَهُ مِنْ اضْطِهَادِ مُوسَى بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ، وَمَا مُنِيَ بِهِ مِنْ فِرَاقِ حَبِيبَتِهِ جُلَّنَارَ وَكَيْفَ أَنَّهُ سَئِمَ الْحَيَاةَ بَعْدَهَا، فَجَعَلَ الْحَاجُّ يُلَاطِفُهُ وَيُسَلِّيهِ، وَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذْ أَقْبَلَ مُوسَى فَدَخَلَ الْبَابَ وَبِيَدِهِ سَوْطٌ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمَا نَظَرَ إِلَى قُطُزَ نَظْرَةَ الْغَضَبِ، وَقَالَ لَهُ: «مَاذَا تَصْنَعُ هُنَا يَا هَذَا؟ أَمَا تَذْهَبُ لِعَمَلِكَ فِي الْقَصْرِ؟»، فَلَمْ يُجِبْهُ قُطُزُ وَأَشَاحَ عَنْهُ بِوَجْهِهِ، فَاسْتَشَاطَ مُوسَى غَضَبًا وَأَرَادَ أَنْ يَضْرِبَهُ بِالسَّوْطِ فَتَلَقَّاهُ قُطُزُ بِيَدِهِ وَأَمْسَكَ بِطَرَفِ السَّوْطِ فَلَمْ يَقْدِرْ مُوسَى عَلَى انْتِزَاعِهِ، وَقَالَ لَهُ قُطُزُ عِنْدَ ذَاكَ: «لَوْ شِئْتُ لَأَوْجَعْتُكَ بِسَوْطِكَ هَذَا ضَرْبًا، فَمِثْلُكَ أَيُّهَا السِّكِّيرُ لَا يَقْدِرُ عَلَى».
الفكرة الرئيسة
لُجُوءُ قُطُزَ لِصَدِيقِهِ الْحَاجِّ عَلِيٍّ الْفَرَّاشِ وَتَصَدِّيهِ لِمُوسَى وَمَنْعُهُ مِنْ ضَرِبِهِ بِالسَّوْطِ.
  • سَرِيًّا: رَجُلًا شَرِيفًا كَرِيمًا مُطَاعًا
  • الْحَدْسِ: الظَّنُّ الصَّائِبُ وَالذَّكَاءُ
  • أَشَاحَ: أَمَالَ وَجْهَهُ جَانِبًا إِعْرَاضًا
  • اسْتَشَاطَ: اشْتَعَلَ وَالْتَهَبَ غَضَبًا شَدِيدًا

الفقرة 7

«فَالْأَمْرُ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يُثِيرَ دَمْعَكَ، أَتَبْكِي مِنْ لَطْمَةٍ خَفِيفَةٍ مِنْ يَدِ جَبَانٍ ضَعِيفٍ؟». فَرَفَعَ قُطُزُ إِلَيْهِ رَأْسَهُ قَائِلًا وَقَدْ تَقَلَّصَ دَمْعُهُ: «سَامَحَكَ اللَّهُ، أَتَظُنُّ بُكَائِي مِنْ تِلْكَ اللَّطْمَةِ؟ إِنَّ بُكَائِي مِنْ لَعْنِ أَبِي وَجَدِّي، وَهُمَا خَيْرٌ مِنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ». -«لَا يَدْفَعَنَّكَ الْغَضَبُ أَنْ تَقُولَ مَا لَيْسَ بِحَقٍّ يَا قُطُزُ، أَنْتَ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْهُ أَلْفَ مَرَّةٍ، أَمَّا أَبُوكَ وَجَدُّكَ فَلَيْسَا بِخَيْرٍ مِنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ الْمُسْلِمِينَ، إِذْ شَرَفُ الْإِسْلَامِ فَوْقَ كُلِّ شَرَفٍ». -«أَتَظُنُّ أَبِي وَجَدِّي كَافِرَيْنِ؟ لَا وَاللَّهِ إِنَّهُمَا لَمُسْلِمَانِ مِنْ آبَاءٍ مُسْلِمِينَ». فَأَظْهَرَ الْحَاجُّ عَلِيٌّ الْفَرَّاشُ اسْتِغْرَابَهُ كَمَنْ يَشُكُّ فِي صِدْقِ مَا يَقُولُ، فَعَزَّ عَلَى قُطُزَ أَنْ يَظُنَّ بِهِ صَدِيقُهُ الْكَذِبَ فَانْدَفَعَ يَقُولُ: «أَلَمْ تَسْمَعْ يَا حَاجُّ بِجَلَالِ الدِّينِ بْنِ خَوَارَزْمَ شَاهْ، الَّذِي جَاهَدَ التَّتَارَ؟». -«بَلَى: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ لَمْ يَسْمَعْ بِالسُّلْطَانِ جَلَالِ الدِّينِ». -«فَأَنَا ابْنُ جِيهَانَ خَاتُونَ أُخْتِ جَلَالِ الدِّينِ، وَوَالِدِي الْأَمِيرُ مَمْدُودٌ ابْنُ عَمِّهِ، وَاسْمِي مَحْمُودٌ، وَإِنَّمَا سَمَّانِي قُطُزَ اللُّصُوصُ الَّذِينَ اخْتَطَفُونِي، فَبَاعُونِي، عَامَلَهُمُ اللَّهُ بِمَا يَسْتَحِقُّونَ». فَتَهَلَّلَ وَجْهُ الْحَاجِّ عَلِيٍّ وَقَالَ: «الْآنَ تَحَقَّقَتْ فِرَاسَتِي وَصَدَقَ ظَنِّي فِيكَ. وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ حَدَّثَنِي قَلْبِي أَوَّلَ يَوْمٍ عَرَفْتُكَ فِيهِ أَنَّكَ لَسْتَ مَمْلُوكًا جُلِبَ مِنْ مَجَاهِلِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ. وَأَنَّكَ تَرْجِعُ إِلَى أَصْلٍ كَرِيمٍ. فَلَمَّا بَلَوْتُكَ وَاخْتَلَطْتُ مَعَكَ عَرَفْتُ أَنَّ لَكَ سِرًّا تَكْتُمُهُ عَنِ النَّاسِ جَمِيعًا فَحَدَسْتُ أَنَّكَ ابْنُ مَلِكٍ أَوْ أَمِيرٍ نَكَبَهُ الزَّمَانُ فَأَلْقَاهُ فِي أَيْدِي بَاعَةِ الرَّقِيقِ، فَمَا زِلْتُ مِنْ يَوْمِئِذٍ أَجْتَهِدُ فِي مَعْرِفَةِ سِرِّكَ، وَقَدْ سَأَلْتُكَ مِرَارًا عَنْ أَصْلِكَ، فَكُنْتَ تَقُولُ لِي إِنَّكَ لَا تَعْرِفُ عَنْهُ شَيْئًا، وَلَكِنِّي رَجَّحْتُ آخِرَ الْأَمْرِ أَنَّكَ مِنْ أَوْلَادِهِ». فَتَبَسَّمَ قُطُزُ، وَعَجِبَ مِنْ ذَكَاءِ صَاحِبِهِ الْحَاجِّ وَفِطْنَتِهِ وَقَالَ لَهُ: -«الْآنَ عَرَفْتُ لِمَاذَا كُنْتَ مُغْرًى بِأَخْبَارِ الْمُلُوكِ وَالسَّلَاطِينِ، تُعِيدُهَا عَلَيَّ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ». وَسَكَتَ قُطُزُ قَلِيلًا ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ عَاوَدَتْهُ شُجُونُهُ، فَقَالَ بِصَوْتٍ يُخَالِطُهُ الْبُكَاءُ: «بِاللَّهِ يَا صَدِيقِي الْحَاجَّ أَلَا مَا أَشَرْتَ عَلَيَّ مَاذَا أَصْنَعُ فِي مُصَابِي هَذَا، فَإِنَّكَ مَا عَلِمْتُ لَذُو رَأْيٍ، إِنَّهُمْ أَبْطَلُوا وَصِيَّةَ مَوْلَايَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِعِتْقِي وَعِتْقِ حَبِيبَتِي جُلَّنَارَ، وَلَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتَّى فَرَّقُوا بَيْنِي وَبَيْنَهَا، فَبَاعُوهَا لِرَجُلٍ مِنْ مِصْرَ، إِي وَاللَّهِ لَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنِي وَبَيْنَ جُلَّنَارَ ابْنَةِ خَالِي جَلَالِ الدِّينِ، الَّتِي أُحِبُّهَا وَتُحِبُّنِي، وَنَشَأْتُ مَعَهَا مُنْذُ الصِّغَرِ، وَلَمْ أَفْتَرِقْ عَنْهَا إِلَّا الْيَوْمَ. قُلْ لِي كَيْفَ آوِي إِلَى هَذَا الْقَصْرِ وَقَدْ فَارَقَهُ مَوْلَايَ الشَّيْخُ الَّذِي أَكْرَمَ مَثْوَايَ وَتَبَنَّانِي، وَخَلَا مِنْ جُلَّنَارَ الَّتِي كَانَتْ سَلْوَايَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَعَزَائِي فِي كُلِّ مَا أَصَابَنِي مِنْ نَكَبَاتِ الْأَيَّامِ؟ كَيْفَ أَصْبِرُ عَلَى خِدْمَةِ ذَلِكَ الْوَغْدِ اللَّئِيمِ الَّذِي سَلَبَنِي حُرِّيَّتِي وَسَعَادَتِي، وَأَمْعَنَ فِي اضْطِهَادِي وَإِهَانَتِي؟ إِنَّ هَذَا الْقَصْرَ أَصْبَحَ عِنْدِي كَالْجَحِيمِ، لَا أَطِيقُ رُؤْيَتَهُ، فَمَا بَالُ الْإِقَامَةِ فِيهِ، مَا لِهَؤُلَاءِ يَسْتَعْبِدُونَنِي وَقَدْ وَلَدَتْنِي أُمِّي حُرًّا؟ أَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ مِنْ عَدْلٍ يُنْصِفُنِي مِنْ هَذَا الظُّلْمِ؟ مَا لِي أَرَاكَ صَامِتًا يَا حَاجُّ عَلِيُّ، قُلْ لِي مَاذَا أَصْنَعُ فِي أَمْرِي» وَهُنَا غَلَبَتْهُ الْعَبْرَةُ...
الفكرة الرئيسة
كَشْفُ قُطُزَ لِسِرِّهِ الْمَلَكِيِّ لِلْحَاجِّ عَلِيٍّ الْفَرَّاشِ وَشَكْوَاهُ الْمُفْجِعَةُ مِنْ سَلْبِ حُرِّيَّتِهِ وَتَفْرِيقِهِ عَنْ جُلَّنَارَ.
  • بَلَوْتُكَ: اخْتَبَرْتُكَ وَجَرَّبْتُكَ
  • شُجُونُهُ: أَحْزَانُهُ وَغُمُومُهُ الْمُشْتَعِلَةُ
  • فِطْنَتِهِ: ذَكَائِهِ وَفِرَاسَتِهِ الْعَالِيَةِ
  • سَلْوَايَ: عَزَائِي وَمَا يُنْسِينِي الآلَامَ

الفقرة 8

إِهَانَتِي وَتَعْذِيبِي، خَلِّصْنِي يَا حَاجُّ عَلِيُّ خَلِّصْنِي!». -«اللَّهُ يُخَلِّصُكَ يَا بَنِيَّ..هَوِّنْ عَلَيْكَ يَا قُطُزُ فَسَيَجْعَلُ مِنْ ضِيقِكَ مَخْرَجًا». -«دَعْنِي مِنْ كَلِمَاتِ الْمُوَاسَاةِ وَالتَّهْوِينِ، فَإِنَّهَا لَا تَنْفَعُنِي شَيْئًا، وَفَكِّرْ لِي فِي طَرِيقَةٍ لِلْخَلَاصِ مِمَّا أَنَا فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ». -«لَقَدْ فَكَّرْتُ لَكَ فِي طَرِيقَةٍ لِلْخَلَاصِ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ، وَلَكِنَّ عَلَيْكَ أَنْ تَصْبِرَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ رَيْثَمَا أُدَبِّرُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ». -«سَأَصْبِرُ لَكَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَقُلْ لِي بِاللَّهِ مَا هِيَ؟». -«سَأَقُصُّ عَلَى سَيِّدِي ابْنِ الزَّعِيمِ خَبَرَكَ: فَسَيَشْتَاقُ لِرُؤْيَتِكَ حِينَ يَعْرِفُ أَنَّكَ مِنْ أَوْلَادِ السُّلْطَانِ جَلَالِ الدِّينِ، فَقَدْ كَانَ مَعَ شَيْخِهِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ كَثِيرَ الِاهْتِمَامِ بِنَجْدَةِ جَلَالِ الدِّينِ فِي جِهَادِهِ لِلَّتَتَارِ، فَإِذَا قَابَلْتَهُ فَسَأَذْكُرُ لَهُ طَرَفًا مِنْ حَالِ مُوسَى ابْنِ الشَّيْخِ غَانِمٍ مَعَكَ وَاضْطِهَادِهِ لَكَ، وَسَأُعَزِّزُ قَوْلَكَ عِنْدَهُ، فَأَقُصُّ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ مِنْهُ الْيَوْمَ فِي حَقِّكَ عَلَى مَرْأًى مِنِّي وَمَسْمَعٍ، وَمَا أَشُكُّ فِي أَنَّهُ سَيَرْثَى لِحَالِكَ وَيَعْطِفُ عَلَيْكَ، فَأُشِيرُ عَلَيْهِ عِنْدَئِذٍ بِشِرَائِكَ مِنْهُمْ، وَمَا أَحْسَبُهُ يَتَأَخَّرُ عَنْ ذَلِكَ. وَاعْلَمْ أَنَّكَ سَتَسْعَدُ فِي خِدْمَةِ سَيِّدِي ابْنِ الزَّعِيمِ». وَسَيَكُونُ لَكَ مِثْلُ الْمَرِحُومِ الشَّيْخِ غَانِمٍ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ». -«حَسْبِي أَنْ أَعِيشَ بِجِوَارِكَ يَا صَدِيقِي الْحَاجَّ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَلَّا يَرْضَى مُوسَى بِبَيْعِي لِسَيِّدِكَ إِذَا عَلِمَ أَنِّي سَأَسْعَدُ عِنْدَهُ». -«لَنْ نَدَعَ مُوسَى يَعْلَمُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَسَيَطْلُبُكَ سَيِّدِي بِنَفْسِهِ مِنَ الْوَصِيِّ، وَلَنْ يَتَرَدَّدَ الْوَصِيُّ فِي إِجَابَةِ طَلَبِهِ، فَاطْمَئِنَّ وَلَا تَخَفْ شَيْئًا، فَسَأُدَبِّرُ لَكَ كُلَّ شَيْءٍ تَدْبِيرًا مُتْقَنًا». -«بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ يَا حَاجُّ عَلِيُّ، لَقَدْ فَرَّجْتَ كَرْبِي، فَرَّجَ اللَّهُ كَرْبَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَقَامَ قُطُزُ عَنْ مَقْعَدِهِ مِنَ الْمَصْطَبَةِ قَائِلًا: «دَعْنِي أَنْصَرِفُ فَأَرْجِعُ إِلَى عَمَلِي فِي الْقَصْرِ، لَعَلَّ مَوْلَاتِي تَحْتَاجُنِي فَقَدْ أَبْطَأْتُ عَلَيْهَا فِي الرُّجُوعِ، وَغَدًا أَرَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ».
الفكرة الرئيسة
خُطَّةُ الْحَاجِّ عَلِيٍّ الْفَرَّاشِ لِتَخْلِيصِ قُطُزَ بِشِرَائِهِ لِسَيِّدِهِ ابْنِ الزَّعِيمِ وَاطْمِئْنَانُ قُطُزَ.
  • سَيَرْثَى: سَيَحْزَنُ وَيَعْطِفُ وَيُشْفِقُ
  • أُعَزِّزُ: أُقَوِّي وَأُؤَيِّدُ كَلَامَكَ
  • الْمَصْطَبَةِ: مَقْعَدٌ مُرْتَفِعٌ مَبْنِيٌّ لِلْجُلُوسِ
  • رَيْثَمَا: إِلَى أَنْ؛ خِلَالَ وَقْتٍ قَصِيرٍ

شبكة الأفكار

استقرار قطز وجلنار بدمشق ومحنتهما بعد وفاة الشيخ غانم

  • الحياة السعيدة بدمشق: الإقامة بقصر الشيخ غانم المقدسي وتعلّم اللسان العربي.، انقضاء عشر سنوات من الألفة والسعادة النامية بين قطز وجلنار.
  • وفاة الشيخ غانم واضطهاد موسى: وفاة الشيخ غانم وتنمر ابنه الفاسد موسى واعتداؤه عليهما.، بيع جلنار لرجل مصري بمكيدة من موسى وتفريق الحبيبين.
  • كشف السر للحاج علي الفراش: لجوء قطز لصديقه الحاج علي خادم ابن الزعيم.، كشف قطز عن نسبه الملكي باسم الأمير محمود ابنه جيهان خاتون.
  • خطة الخلاص والإنقاذ: تدبير الحاج علي خطة لإقناع سيده ابن الزعيم بشراء قطز.، اطمئنان قطز وعودته إلى القصر بانتظار الفرج.

القيم والدروس المستفادة

  • التمسك بالصبر والأمل في الله عند تجدد المحن والشدائد.
  • الاعتزاز بالنفس وحسن الخلق في مواجهة الظلم والعدوان.
  • الوفاء للذكرى الطيبة وحفظ إحسان المنعمين.

الملخص في خمس جمل

  • عاش قطز وجلنار عشر سنوات في سعادة بقصر الشيخ غانم المقدسي بدمشق وتعلما اللسان العربي إتقانا.
  • حزن الصبيان لموت السلطان جلال الدين وانحسار أملهما في العودة للعرش والحرية واستسلما للرق.
  • توفي الشيخ غانم المقدسي فسطا ابنه الفاسد موسى واضطهد قطز وباع جلنار لرجل مصري.
  • انفصل الحبيبان بدموع الحزن ولجأ قطز إلى صديقه الحاج علي الفراش خادم ابن الزعيم.
  • كشف قطز نسبه الملكي للحاج علي فوضع الأخير خطة لإقناع سيده ابن الزعيم بشراء قطز وتخليصه.
أحمد عاطف — مدرّس اللغة العربية
إعداد المعلّم أحمد عاطف
مدرّس اللغة العربية · خبرة أكثر من 30 عامًا