قبل أن نقرأ
الفقرة 1
لَمْ تَمْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ عَلَى مَا سَبَقَ، حَتَّى أَتَمَّ الْحَاجُّ عَلِيٌّ الْفَرَّاشُ الْخُطَّةَ الَّتِي دَبَّرَهَا لِخَلَاصِ صَدِيقِهِ، فَنَجَحَتْ عَلَى خَيْرِ وَجْهٍ، وَانْتَقَلَ قُطُزُ إِلَى مِلْكِ السَّيِّدِ ابْنِ الزَّعِيمِ، فَسَلَا مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ بِمُوسَى وَمُضَايَقَاتِهِ، وَانْطَوَتْ صَفْحَةٌ مِنْ حَيَاتِهِ، شَيَّعَهَا بِدُمُوعِهِ وَحَسَرَاتِهِ، فَقَدْ كَانَتْ عَلَى عِلَاتِهَا مِنْ أَجْمَلِ أَيَّامِ عُمْرِهِ وَأَسْعَدِهَا، إِذْ أَشْرَقَ فِيهَا الْحُبُّ عَلَى قَلْبِهِ فَمَلَأَهُ نُورًا، وَأَتَى عَلَى مَا فِي زَوَايَاهُ مِنْ ظُلُمَاتِ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ وَالْيَأْسِ، فَبَدَّدَهُ وَأَبْدَلَهُ بِهِ مَسَرَّةً وَجَذَلًا وَغِبْطَةً وَأَمَلًا. كَانَ يَعِيشُ مَعَ جُلَّنَارَ فِي دَعَةٍ وَسَلَامٍ، مَشْمُولَيْنِ بِرِعَايَةِ مَوْلَاهُمَا الرَّحِيمِ وَزَوْجَتِهِ الْبَارَّةِ، وَقَدْ ذَاقَا فِيهَا مِنْ لَذَّةِ الْأَمْنِ وَطَمَأْنِينَةِ الِاسْتِقْرَارِ مَا لَمْ يَذُوقَاهُ مُنْذُ طُفُولَتِهِمَا، فَقَدْ عَاشَا مَا عَاشَا قَبْلَ ذَلِكَ فِي جَوٍّْ مُضْطَرِبٍ، يَسُودُهُ الْقَلَقُ وَالْفَزَعُ، وَتُهَدِّدُهُ الْحُرُوبُ وَالْغَارَاتُ، وَتُرَاوِحُهُ وَتُغَادِيهِ الْفَجَائِعُ وَالنَّكَبَاتُ، حَتَّى اسْتَقَرَّ بِهِمَا الْمَقَامُ فِي كَنَفِ الشَّيْخِ غَانِمٍ، فَلَقِيَا مِنْ عَطْفِهِ وَبِرِّهِ مَا أَنْسَاهُمَا مَرَارَةَ الْيَتَمِ، وَذُلَّ الرِّقِّ، وَأَلَمَ التَّغَرُّبِ وَالتَّشَرُّدِ.
- الفكرة الرئيسة
- انْتِقَالُ قُطُزَ إِلَى مِلْكِ ابْنِ الزَّعِيمِ وَتَذَكُّرُهُ أَيَّامَ السَّعَادَةِ مَعَ جُلَّنَارَ فِي قَصْرِ الشَّيْخِ غَانِمٍ.
- جَذَلًا: فَرَحًا وَسُرُورًا شَدِيدًا
- دَعَةٍ: رَاحَةٍ وَاطْمِئْنَانٍ وَسُكُونٍ
الفقرة 2
رَقَّ السَّيِّدُ ابْنُ الزَّعِيمِ لِحَالِ مَمْلُوكِهِ الْأَمِيرِ الْخُوَارِزْمِيِّ، فَبَالَغَ فِي تَكْرِمَتِهِ وَالْبِرِّ بِهِ، وَاجْتَهَدَ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ لَوْعَتِهِ وَحُزْنِهِ، فَكَانَ يُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ لَهُ: «كَفَاكَ يَا بُنَيَّ حُزْنًا عَلَى حَبِيبَتِكَ الْحَسْنَاءِ جُلَّنَارَ، فَإِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ جَارِيَةً مِثْلَهَا أَوْ أَجْمَلَ مِنْهَا». فَيُجِيبُهُ قُطُزُ فِي أَدَبٍ جَمٍّ: «لَا يَا مَوْلَايَ، لَا أَرْغَبُ فِي الزَّوَاجِ مِنْ غَيْرِهَا، وَإِنْ تَكُنْ أَجْمَلَ مِنْهَا، إِنَّهَا ابْنَةُ خَالِي، نَشَأْنَا مَعًا وَلَمْ نَفْتَرِقْ مُنْذُ وُلِدْنَا»، فَيَقُولُ لَهُ سَيِّدُهُ: «إِنَّكَ لَعَلَى حَقٍّ يَا قُطُزُ، إِذْ لَيْسَ فِي وُسْعِنَا أَنْ نُزَوِّجَكَ أَمِيرَةً مِثْلَ ابْنَةِ جَلَالِ الدِّينِ، وَلَكِنِّي أَنْصَحُكَ أَنْ تَجْتَهِدَ فِي سُلْوَانِهَا إِشْفَاقًا عَلَى نَفْسِكَ، وَإِبْقَاءً عَلَى صِحَّتِكَ وَشَبَابِكَ، وَاصْبِرْ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُ شَمْلَكُمَا مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبَانِ». وَأَوْصَى ابْنُ الزَّعِيمِ خَادِمَهُ الْحَاجَّ عَلِيًّا الْفَرَّاشَ، بِأَلَّا يَأْلُوَ جَهْدًا فِي الْعِنَايَةِ بِقُطُزَ وَتَسْلِيَةِ هَمِّهِ، وَلَمْ يَكُنِ الْحَاجُّ عَلِيٌّ بِحَاجَةٍ إِلَى وَصِيَّةِ سَيِّدِهِ بِصَدِيقِهِ الْحَمِيمِ، فَلَمْ يَدَعْ وَسِيلَةً مِنَ الْوَسَائِلِ لِتَسْلِيَتِهِ وَتَعْزِيَتِهِ إِلَّا اسْتَعْمَلَهَا، وَكَانَ الْحَاجُّ عَلِيٌّ لَبِقَ الْحَدِيثِ، حَسَنَ التَّصَرُّفِ، خَبِيرًا بِأَدْوَارِ الْقُلُوبِ، عَلِيمًا بِعِلَاجِهَا، فَمَا زَالَ بِصَدِيقِهِ الْحَزِينِ، يَقْبِضُهُ وَيَبْسُطُهُ، وَيُسَلِّيهِ وَيُعَلِّلُهُ، وَيَضْرِبُ لَهُ الْأَمْثَالَ فِي ذَلِك، وَيَتَنَزَّهُ بِهِ فِي ضَوَاحِي الْمَدِينَةِ وَرِيَاضِ الْغُوطَةِ، وَيَرُودُ بِهِ زَحْمَةَ الْأَسْوَاقِ، وَيَغْشَى بِهِ مَجَالِسَ الْعِلْمِ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى اسْتَطَاعَ أَنْ يَكْسِرَ سَوْرَةَ الْحُزْنِ فِي قَلْبِهِ، وَوَكَلَ الْبَاقِيَ إِلَى الْأَيَّامِ؛ لِتَقْضِيَ عَلَيْهِ.
- الفكرة الرئيسة
- عُنَايَةُ ابْنِ الزَّعِيمِ وَالْحَاجِّ عَلِيٍّ بِقُطُزَ وَمُحَاوَلَةُ التَّخْفِيفِ عَنْ حُزْنِهِ لِفِرَاقِ جُلَّنَارَ.
- لَوْعَتِهِ: حُرْقَةِ حُزْنِهِ وَشَوْقِهِ
- سَوْرَةَ: شِدَّةَ وَحِدَّةَ
الفقرة 3
أَخَذَ الْمَمْلُوكَ الشَّابَّ عَقِبَ ذَلِك جَذْبَةٌ إِلَهِيَّةٌ، فَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِالْعِبَادَةِ وَالتَّقْوَى، فَكَانَ يُصَلِّي الْفُرُوضَ لِأَوْقَاتِهَا، وَيُحَافِظُ عَلَى النَّوَافِلِ، وَأَكْثَرَ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَتَرَدَّدَ عَلَى مَجَالِسِ الْعِلْمِ فِي جَامِعِ الْمَدِينَةِ، وَسِيَّمَا دُرُوسَ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، فَقَدْ أُغْرِمَ بِهَا فَكَانَ لَا يَفُوتُهُ دَرْسٌ، وَلَمْ يَتَصَدَّ لِلْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، بَلْ كَانَ يَكْتَفِي بِالْحُضُورِ وَالِاسْتِمَاعِ، وَكَانَ سَيِّدُهُ ابْنُ الزَّعِيمِ يُشَجِّعُهُ عَلَى ذَلِك، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَمَا كَلَّفَهُ قَطُّ عَمَلًا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُضُورِ هَذِهِ الْمَجَالِسِ.
- الفكرة الرئيسة
- تَعَلُّقُ قُطُزَ بِالْعِبَادَةِ وَحُضُورِ مَجَالِسِ الْعِلْمِ لِشَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ.
- جَذْبَةٌ: مَيْلٌ وَتَوَجُّهٌ رُوحِيٌّ قَوِيٌّ
- النَّوَافِلِ: الصَّلَوَاتُ وَالْعِبَادَاتُ الزَّائِدَةُ عَلَى الْفَرِيضَةِ
الفقرة 4
وَجَاءَ الشَّيْخُ يَوْمًا إِلَى دَارِ ابْنِ الزَّعِيمِ يَزُورُهُ، فَأَكْرَمَهُ وَاحْتَفَلَ بِهِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِهِمَا الْمَجْلِسُ دَخَلَ قُطُزُ عَلَيْهِمَا بِشَرَابِ الْوَرْدِ لِيُقَدِّمَهُ لِلشَّيْخِ، فَلَمَّا رَآهُ الشَّيْخُ الْتَفَتَ إِلَى مُضِيفِهِ، وَقَالَ لَهُ: «مَنْ هَذَا الشَّابُّ؟ أَحْسَبُنِي رَأَيْتُهُ مَرَّةً فِي حَلْقَةِ الدَّرْسِ». فَأَجَابَهُ ابْنُ الزَّعِيمِ: «هَذَا مَمْلُوكٌ كَانَ لِجَارِي الشَّيْخِ غَانِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اشْتَرَيْتُهُ قَرِيبًا، وَهُوَ يُحِبُّكَ يَا سَيِّدِي وَيَحْضُرُ دُرُوسَكَ وَيَسْتَمِعُ إِلَيْكَ». قَالَ الشَّيْخُ وَهُوَ يَتَفَرَّسُ فِي وَجْهِ قُطُزَ: «إِنَّهُ مَا عَلِمْتُ لَشَابٌّ صَالِحٌ». فَقَالَ ابْنُ الزَّعِيمِ: «أَجَلْ إِنَّهُ صَالِحٌ وَمِنْ أَصْلٍ كَرِيمٍ». وَكَانَ الشَّيْخُ قَدْ فَرَغَ مِنْ شَرَابِهِ عِنْدَ ذَلِك، فَرَدَّ الْكَأْسَ إِلَى سَاقِيهِ، فَانْصَرَفَ وَقَدْ خَجِلَ مِنْ ثَنَاءِ الشَّيْخِ عَلَيْهِ، وَمَضَى ابْنُ الزَّعِيمِ يُحَدِّثُ ضَيْفَهُ الْكَرِيمَ بِخَبَرِ مَمْلُوكِهِ، وَأَنَّهُ مِنْ بَيْتِ السُّلْطَانِ جَلَالِ الدِّينِ بْنِ خُوَارَزْمَ شَاهْ، وَأَنَّ اللُّصُوصَ اخْتَطَفُوهُ وَابْنَةَ السُّلْطَانِ وَهُمَا صَغِيرَانِ فَبَاعُوهُمَا فِي سُوقِ حَلَبَ، وَأَنَّ الشَّيْخَ غَانِمًا الْمَقْدِسِيَّ اشْتَرَاهُمَا فَرَبَّاهُمَا إِلَى آخِرِ قِصَّتِهِمَا. فَعَجِبَ الشَّيْخُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فَقَالَ ابْنُ الزَّعِيمِ: «إِنِّي مَا اشْتَرَيْتُهُ إِلَّا لِأُعْتِقَهُ، وَلَوْلَا حُبِّي لَهُ وَخَشْيَتِي أَنْ يُفَارِقَنِي فَتَضِيقَ بِهِ سُبُلُ الْحَيَاةِ لَأَعْتَقْتُهُ مِنْ قَبْلُ». فَقَالَ الشَّيْخُ: «شَكَرَ اللَّهُ لَكَ يَا بْنَ الزَّعِيمِ جَمِيلَ صُنْعِكِ فِيهِ، إِنَّ جَلَالَ الدِّينِ حَرِيٌّ أَنْ تَحْفَظَهُ فِي وَلَدِهِ... أَلَا تَدْعُوهُ فَأَرَاهُ قَبْلَ أَنْ أَنْصَرِفَ؟». فَقَامَ ابْنُ الزَّعِيمِ وَعَادَ بِقُطُزَ مَعَهُ، وَقَدَّمَهُ لِلشَّيْخِ فَتَلَّقَاهُ بِالْبِشْرِ، وَطَيَّبَ خَاطِرَهُ، وَأَقْعَدَهُ قَرِيبًا مِنْهُ، وَقَالَ لَهُ: «إِنَّ جَلَالَ الدِّينِ كَانَ حَبِيبًا إِلَى نُفُوسِنَا، إِذْ كَانَ يُجَاهِدُ التَّتَارَ، وَيُدَافِعُهُمْ عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْتَ ابْنُ أُخْتِهِ وَلَكِ عِنْدَنَا مَنْزِلَةٌ وَحُرْمَةٌ، وَقَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ إِذْ أَفْضَى بِكَ إِلَى كَنَفِ هَذَا السَّيِّدِ وَهُوَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْمُجَاهِدِينَ، لَا غَضَاضَةَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي خِدْمَةِ مِثْلِهِ، وَسَيُعْتِقُكَ وَيُحْسِنُ إِلَيْكَ...». فَقَبَّلَ قُطُزُ يَدَ الشَّيْخِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ يُخَالِطُهُ الْبُكَاءُ لِمَا تَأَثَّرَ بِهِ مِنْ كَلَامِهِ: «أَنَا مَمْلُوكُ سَيِّدِي ابْنِ الزَّعِيمِ وَعَبْدُ إِحْسَانِهِ، لَا أُحِبُّ أَنْ يُعْتِقَنِي، وَلَا أُرِيدُ أَنْ يَحْرِمَنِي شَرَفَ خِدْمَتِهِ». فَقَالَ ابْنُ الزَّعِيمِ: «بَلْ أَنْتَ وَلَدِي يَا قُطُزُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا خُدَّامُ الدِّينِ وَخُدَّامُ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ».
- الفكرة الرئيسة
- زِيَارَةُ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لِدَارِ ابْنِ الزَّعِيمِ وَلِقَاؤُهُ بِقُطُزَ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ نَسَبِهِ.
- يَتَفَرَّسُ: يَتَأَمَّلُ الْمَلَامِحَ بِدِقَّةٍ وَذَكَاءٍ
- غَضَاضَةَ: عَيْبَ أَوْ حَطَّ مِنْ الْقَدْرِ
الفقرة 5
كَذَلِك عَرَفَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قُطُزَ، فَصَارَ يُدْنِيهِ مِنْ مَجْلِسِهِ إِذْ حَضَرَ لِاسْتِمَاعِ الدَّرْسِ، وَيَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، وَيَسْأَلُهُ عَنْ سَيِّدِهِ ابْنِ الزَّعِيمِ وَيَحْمِلُهُ تَحِيَّتَهُ، وَأَحْيَانًا يَبْعَثُهُ بِرِسَالَةٍ إِلَيْهِ، وَسَرِعَانَ مَا وَثِقَ بِهِ سَيِّدُهُ وَالشَّيْخُ، لِمَا رَأَيَا فِيهِ مِنْ رَجَاحَةِ الْعَقْلِ وَحَصَافَةِ الرَّأْيِ وَكَمَالِ الرَّجُولَةِ، وَالِاضْطِلَاعِ بِمَهَامِّ الْأُمُورِ، فَأْتَمَنَاهُ عَلَى أَسْرَارِهِمَا، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَقُولُ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ كَلَامٍ لِيُبَلِّغَهُ لِلْآخَرِ لَا يَأْتَمِنَانِ أَحَدًا غَيْرَهُ عَلَيْهِ، مِنْ أُمُورٍ تَتَّصِلُ بِحَرَاكَتِهِمَا السِّيَاسِيَّةِ أَوْ الْإِصْلَاحِيَّةِ لَا فِي دِمَشْقَ وَحْدَهَا بَلْ فِي سَائِرِ بِلَادِ الشَّامِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ. فَعَرَفَ قُطُزُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الْقَصِيرَةِ الَّتِي قَضَاهَا فِي خِدْمَةِ ابْنِ الزَّعِيمِ كَثِيرًا مِنْ أَحْوَالِ الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ إِذْ ذَاك، وَأَحْوَالِ مُلُوكِهِ وَأُمَرَائِهِ وَالْحَزَازَاتِ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَالْمُنَافَسَاتِ عَلَى الْمُلْكِ، وَمَوْقِفِ كُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ مُعَادَاةِ الصَّلِيبِيِّينَ أَوْ مُوَالَاتِهِمْ، وَأَدْرَكَ السِّيَاسَةَ الَّتِي كَانَ الشَّيْخُ وَأَنْصَارُهُ يَنْتَهِجُونَهَا، وَالْمَرْمَى الَّذِي يَرْمُونَ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَتَكْوِينِ جَبْهَةٍ قَوِيَّةٍ مِنْ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ وَأُمَرَائِهِ لِطَرْدِ الصَّلِيبِيِّينَ مِنَ الْبِلَادِ الَّتِي يَحْتَلُّونَهَا فِي الشَّامِ، وَلِصَدِّ غَارَاتِ التَّتَارِ الَّتِي تُهَدِّدُهُمْ.
- الفكرة الرئيسة
- ثِقَةُ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ الزَّعِيمِ بِقُطُزَ وَاعْتِمَادُهُمَا عَلَيْهِ كَرَسُولٍ لِلْأَسْرَارِ وَوَعْيُهُ السِّيَاسِيُّ.
- حَصَافَةِ: جَوْدَةِ الْعَقْلِ وَصَوَابِ الرَّأْيِ
- الْحَزَازَاتِ: الضَّغَائِنِ وَالْأَحْقَادِ فِي الصُُّدُورِ
الفقرة 6
وَكَانَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يُرَاسِلُ الْمَلِكَ الصَّالِحَ أَيُّوبَ، وَيُحَرِّضُهُ عَلَى تَطْهِيرِ بِلَادِ الشَّامِ مِنَ الصَّلِيبِيِّينَ أُسْوَةً بِجَدِّهِ الْمُجَاهِدِ الْعَظِيمِ السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَيَعِدُهُ بِمُنَاصَرَةِ عَامَّةِ أَهْلِ الشَّامِ، فَيَتَلَقَّى رُدُودًا مِنْهُ يَعِدُهُ فِيهَا بِالْقِيَامِ بِذَلِك عِنْدَمَا تَسْنَحُ الْفُرْصَةُ وَتَتِمُّ الْأُهْبَةُ. وَقَدْ عَلِمَ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ بِحَرَكَةِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، فَأَرَادَ الْقَبْضَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ خَشِيَ أَنْصَارَهُ أَنْ يَثُورُوا لَهُ فَيُؤَلِّبُوا الْعَامَّةَ عَلَيْهِ، فَأَجَّلَ ذَلِكَ إِلَى حِينٍ. وَقَوِيَ عَزْمُ الصَّالِحِ أَيُّوبَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الشَّامِ، فَاشْتَدَّ خَوْفُ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، وَعَزَمَ عَلَى غَزْوِ مِصْرَ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوَ مَلِكُهَا بِلَادَهُ، فَبَعَثَ إِلَى أَمِيرَيْ حِمْصَ وَحَلَبَ يَطْلُبُ مِنْهُمَا النَّجْدَاتِ، وَكَاتَبَ الْفِرِنْجَ وَاتَّفَقَ مَعَهُمْ عَلَى مُسَاعَدَتِهِ وَالْمَسِيرِ مَعَهُ لِمُحَارَبَةِ سُلْطَانِ مِصْرَ، وَأَعْطَاهُمْ فِي سَبِيلِ ذَلِكَ قَلْعَتَيْ صَفَدَ وَالشَّقِيفِ وَبِلَادَهُمَا، وَصَيْدَا وَطَبَرِيَّةَ وَأَعْمَالَهَا، وَسَائِرَ بِلَادِ السَّاحِلِ، وَمَا اكْتَفَى بِذَلِكَ حَتَّى أَذِنَ لِهَؤُلَاءِ الْأَعْدَاءِ فِي دُخُولِ دِمَشْقَ، وَشِرَاءِ الْأَسْلِحَةِ وَآلَاتِ الْحَرْبِ مِنْ أَهْلِهَا.
- الفكرة الرئيسة
- خِيَانَةُ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ بِمُحَالَفَةِ الصَّلِيبِيِّينَ وَتَسْلِيمِهِمْ الحُصُونَ وَالإِذْنِ لَهُمْ بِشِرَاءِ السِّلَاحِ مِنْ دِمَشْقَ.
- الأُهْبَةُ: الاسْتِعْدَادُ وَالتَّجَهُّزُ
- يُؤَلِّبُوا: يُحَرِّضُوا وَيَجْمَعُوا
الفقرة 7
وَأَدْرَكَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخَطَرَ الَّذِي يَتَهَدَّدُ بِلَادَ الْإِسْلَامِ مِنْ هَذَا الْخَطْبِ الْفَادِحِ، فَكَتَبَ رِسَالَةً قَوِيَّةً إِلَى الصَّالِحِ أَيُّوبَ يَحُثُّهُ فِيهَا عَلَى التَّعْجِيلِ بِالْجِهَادِ، وَيَتَوَعَّدُهُ فِيهَا بِغَضَبِ اللَّهِ وَنِقْمَتِهِ وَعَذَابِهِ إِذَا تَهَاوَنَ فِي الْمَسِيرِ حَتَّى يَتِمَّ مَا أَرَادَهُ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ بِهِ، مُؤَكِّدًا لَهُ أَنَّ تَبِعَةَ ذَلِكَ سَتَكُونُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِذَا قَصَّرَ فِيمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَنْذَرَهُ بِضَيَاعِ مُلْكِهِ وَخَسَارَةِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، وَأَخَذَ الشَّيْخُ يُكْثِرُ الِاجْتِمَاعَ بِأَنْصَارِهِ وَمُرِيدِيهِ يُحَمِّسُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ بِالِاسْتِعْدَادِ لِلْقِيَامِ بِوَاجِبِهِمْ مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ الْوَطَنِ، وَكَانَ يَفْعَلُ كُلَّ هَذَا فِي السِّرِّ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَامْتَلَأَ الْجَامِعُ الْكَبِيرُ بِالنَّاسِ، دَخَلَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنَ الْبَابِ الْخَاصِّ بِالْخَطِيبِ فَرَقِيَ الْمِنْبَرَ فَتَطَلَّعَتْ إِلَيْهِ الْعُيُونُ، وَاشْرَأَبَّتْ إِلَيْهِ الْأَعْنَاقُ، وَسَادَ الْحَاضِرِينَ صَمْتٌ عَمِيقٌ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُوسِهِمُ الطَّيْرُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْجِهَادَ وَفَضَائِلَهُ وَكَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ يُجَاهِدُونَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى عَلَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ، وَبَلَغَتْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ إِلَى الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَأَوْرَثَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ الْبِلَادَ، وَجَعَلَهُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ مَا قَامُوا بِالدِّينِ وَاسْتَقَامُوا عَلَى طَرِيقَتِهِ، فَلَمَّا غَيَّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ غَيَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَسَلَّطَ الْأَعْدَاءَ عَلَى بِلَادِهِمْ يَنْتَقِصُونَ أَطْرَافَهَا، وَيَسْتَأْثِرُونَ بِخَيْرَاتِهَا، وَيَسُومُونَ أَهْلَهَا الْخُسْفَ وَالْهَوَانَ، وَيُذِيقُونَهُمْ أَلْوَانَ الْعَذَابِ؛ ابْتِلَاءً مِنَ اللَّهِ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ، وَأَنَّ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِمَا صَلُحَ بِهِ أَوَّلُهَا، وَلَمْ يَصْلُحْ أَوَّلُهَا إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ طَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، لِيَسْتَقِيمَ بِهَا أَمْرُ مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، وَمَا أَوْجَبَ عَلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنَ النُّصْحِ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَالْقِيَامِ بِحِمَايَةِ بِلَادِهِمْ وَسَدِّ ثُغُورِهِمْ حَتَّى يَأْمَنُوا عَلَى دِينِهِمْ، وَأَعْرَاضِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَلَمَّا أَخَذَ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ جَعَلَ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُعِزَّ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَأَنْ يَنصُرَ مَنْ لَهُ فِي بَقَائِهِ صَلَاحُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ يَدْعُو فِي آخِرِ خُطْبَتِهِ لِلصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، فَقَطَعَ الدُّعَاءَ لَهُ فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ وَاكْتَفَى بِالدُّعَاءِ لِمَنْ يُعْلِي كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ وَيَنصُرُ دِينَ اللَّهِ. وَفَرَغَ الشَّيْخُ مِنْ خُطْبَتِهِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَالنَّاسُ لَا يُصَدِّقُونَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا مَا سَمِعُوهُ مِنَ الشَّيْخِ فِي خُطْبَتِهِ، لِشِدَّةِ مَا حَمَلَ عَلَى الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، وَنَدَّدَ بِفَعْلَتِهِ فِي كَلِمَاتٍ وَاضِحَةٍ صَرِيحَةٍ لَا غُمُوضَ فِيهَا وَلَا إِبْهَامَ.
- الفكرة الرئيسة
- خُطْبَةُ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْجَرِيئَةُ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَتَنِدِيدُهُ بِخِيَانَةِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ وَقَطْعُ الدُّعَاءِ لَهُ.
- اشْرَأَبَّتْ: امْتَدَّتْ الأَعْنَاقُ وَتَطَلَّعَتْ
- يَسُومُونَ: يُذِيقُونَ وَيُكَلِّفُونَ
الفقرة 8
وَانْصَرَفَ النَّاسُ مِنَ الْجَامِعِ، وَلَا حَدِيثَ لَهُمْ إِلَّا خُطْبَةُ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ يَفْخَرُ مَنْ سَمِعَهَا عَلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، وَيَوَدُّ مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا لَوْ أَنَّهُ خَسِرَ شَطْرًا مِنْ عُمْرِهِ، وَسَمِعَهَا، وَاتَّفَقَ السَّامِعُونَ عَلَى الْإِعْجَابِ بِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ الْإِعْجَابِ، فَمِنْ مُعْجَبٍ بِبَلَاغَةِ الشَّيْخِ، وَمِنْ مُعْجَبٍ بِقُوَّةِ حُجَّتِهِ وَتَسَلْسُلِهِ، وَمِنْ مُعْجَبٍ بِاطِّرَادِ بَيَانِهِ، وَمِنْ مُعْجَبٍ بِشَجَاعَتِهِ وَرَبَاطَةِ جَأْشِهِ. وَاتَّفَقَ النَّاسُ فِي الْإِشْفَاقِ عَلَى مَصِيرِهِ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ مَا يَنَالُهُ مِنْ عُقُوبَةِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، فَمِنْ قَاطِعٍ أَنَّهُ سَيَقْتُلُهُ، وَمِنْ ذَاهِبٍ إِلَى أَنَّهُ سَيَحْبِسُهُ، وَمِنْ مُرَجِّحٍ أَنَّهُ سَيَنْفِيهِ وَيُصَادِرُ أَمْلَاكُهُ، وَآخَرُ يَرَى أَنَّهُ يَعْزِلُهُ عَنِ الْخَطَابَةِ، وَيُشَتِّتُ شَمْلَ أَنْصَارِهِ، عَلَى أَنَّهُمْ جَمِيعًا آسِفُونَ: لِأَنَّهُمْ لَنْ يَسْمَعُوهُ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ جَامِعِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَكَانَ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ غَائِبًا عَنْ دِمَشْقَ يَوْمَذَاك، فَكُتِبَ إِلَيْهِ بِمَا كَانَ مِنَ الشَّيْخِ، فَوَرَدَ كِتَابُهُ بِعَزْلِهِ مِنَ الْخَطَابَةِ وَالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَحَبْسِهِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى دِمَشْقَ فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ. وَكَانَ أَنْصَارُ الشَّيْخِ قَدْ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُغَادِرَ الْبِلَادَ وَيَنْجُوَ بِنَفْسِهِ مِنْ يَدِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَعَدُّوا لَهُ وَسَائِلَ الْهَرَبِ، لَكِنَّهُ أَبَى ذَلِكَ، وَأَلَحُّوا عَلَيْهِ فَأَصَرَّ عَلَى الْإِبَاءِ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَبِئَ فِي مَكَانٍ أَمِينٍ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ وَرِجَالُهُ، فَرَفَضَ هَذَا الِاقْتِرَاحَ أَيْضًا وَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَهْرُبُ وَلَا أَخْتَبِئُ وَإِنَّمَا نَحْنُ فِي بِدَايَةِ الْجِهَادِ، وَلَمْ نَعْمَلْ شَيْئًا بَعْدُ، وَقَدْ وَطَّنْتُ نَفْسِي عَلَى احْتِمَالِ مَا أَلْقَى فِي هَذَا السَّبِيلِ، وَاللَّهُ لَا يُضِيعُ عَمَلَ الصَّابِرِينَ».
- الفكرة الرئيسة
- صَدَى خُطْبَةِ الشَّيْخِ فِي دِمَشْقَ وَأَمْرُ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ بِعَزْلِهِ وَحَبْسِهِ وَرَفْضُ الشَّيْخِ لِلْهَرَبِ.
- شَطْرًا: نِصْفًا أَوْ جُزْءًا
- الإِبَاءِ: الرَّفْضِ الشَّدِيدِ بِعِزَّةٍ وَامْتِنَاعٍ
الفقرة 9
وَقُبِضَ عَلَى الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَسُجِنَ، وَثَارَ أَنْصَارُهُ فَطَالَبُوا بِالْإِفْرَاجِ عَنْهُ، وَقَدْ حَاوَلَ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ قَمْعَ الثَّوْرَةِ فَلَمْ يَفْلَحْ، فَمَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَأْمُرَ بِالْإِفْرَاجِ عَنِ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَلَكِنَّ الصَّالِحَ إِسْمَاعِيلَ أَلْزَمَ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ بِمُلَازَمَةِ دَارِهِ، وَبِأَلَّا يُفْتِيَ، وَلَا يَجْتَمِعَ بِأَحَدٍ أَلْبَتَّةَ؛ فَشَقَّ عَلَى أَنْصَارِهِ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ لِلِاسْتِرْشَادِ بِآَرَائِهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ عَمَلُهُ، وَفَكَّرُوا فِي حِيلَةٍ لِلِاتِّصَالِ بِهِ فَإِذَا السَّيِّدُ ابْنُ الزَّعِيمِ قَدْ أَمَرَ مَمْلُوكَهُ قُطُزَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْحِلَاقَةَ، وَإِذَا قُطُزُ قَدْ حَذَقَهَا، وَتَشَبَّهَ بِالْحَلَّاقِينَ فِي زِيِّهِ وَحَرَكَتِهِ، فَفَرِحُوا بِهَذَا الْحَلِّ الطَّرِيفِ، وَبَعَثُوا قُطُزَ فَذَهَبَ إِلَى الشَّيْخِ فِي دَارِهِ، فَلَمْ يَشُكَّ أَحَدٌ مِنْ مُرَاقِبِيهِ فِي أَنَّهُ حَلَّاقٌ قَدْ جَاءَ لِيُزَيِّنَ الشَّيْخَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ لَمْ يَعْرِفِ الشَّيْخُ أَنَّهُ قُطُزُ إِلَّا مِنْ صَوْتِهِ فَسُرَّ بِهِ. فَبَلَّغَهُ قُطُزُ أَخْبَارَ سَيِّدِهِ ابْنِ الزَّعِيمِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْصَارِهِ وَمَا أَصَابَ بَعْضَهُمْ مِنْ عُقُوبَةِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ.
- الفكرة الرئيسة
- فَرْضُ الإِقَامَةِ الْجَبَرِيَّةِ عَلَى الشَّيْخِ وَحِيلَةُ تَنَكُّرِ قُطُزَ فِي زِيِّ حَلَّاقٍ لِلِدُّخُولِ عَلَيْهِ.
- حَذَقَهَا: أَتْقَنَهَا وَتَهَيَّأَ لَهَا بِبَرَاعَةٍ
- أَلْبَتَّةَ: قَطْعًا وَبِلَا رَجْعَةٍ أَوْ اسْتِثْنَاءٍ
الفقرة 10
وَكَذَلِك تَرَدَّدَ الْحَلَّاقُ قُطُزُ عَلَى الشَّيْخِ فَوَصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْصَارِهِ. يُطْلِعُهُ عَلَى خُطَطِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَسَائِرِ مَا يَهُمُّهُ مِنْ أَخْبَارِ الْبِلَادِ. وَيُبَلِّغُهُمْ أَوَامِرَهُ وَإِرْشَادَاتِهِ فَيَقُومُونَ بِتَنَفِيذِهَا، وَلَا يُبَالُونَ مَا يُصِيبُهُمْ فِي ذَلِك مِنْ قَتْلٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْتَعْذِيبٍ. وَكَانَا رُبَّمَا انْتَهَيَا مِنْ حَدِيثِهِمَا فِي السِّيَاسَةِ فَتَبَسَّطَ الشَّيْخُ إِلَى حَلَّاقِهِ، وَتَشَقَّقَ بَيْنَهُمَا الْحَدِيثُ فِي شُؤُونٍ شَتَّى مِنْ هَزْلِ الْحَيَاةِ وَجِّدِّهَا. وَجَاءَ قُطُزُ يَوْمًا آخَرَ مُتَهَلِّلَ الْوَجْهِ، طَيِّبَ النَّفْسِ، عَلَيْهِ أَثَرُ الِاغْتِسَالِ، وَالطِّيبُ يَنْفَحُ مِنْ رَأْسِهِ وَثِيَابِهِ، فَسَأَلَهُ الشَّيْخُ مُلَاطِفًا: «مَا هَذَا يَا قُطُزُ هَلْ تَزَوَّجْتَ الْبَارِحَةَ؟». فَتَبَسَّمَ الشَّابُّ وَقَالَ: «لَا يَا مَوْلَايَ الشَّيْخَ، لَقَدْ أَقْسَمْتُ أَلَّا أَتَزَوَّجَ إِلَّا بِابْنَةِ خَالِي جُلَّنَارَ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَارِحَةَ فِي الْمَنَامِ، فَأَخْبَرْتُ سَيِّدِي فَأَمَرَنِي بِالِاغْتِسَالِ وَالتَّطَيُّبِ فَجِئْتُ كَمَا تَرَى». فَقَالَ الشَّيْخُ: «خَيْرًا صَنَعْتَ وَبِخَيْرٍ أَشَارَ عَلَيْكَ سَيِّدُكَ فَحَدِّثْنِي عَنْ رُؤْيَاكَ؟». فَخَفَقَ قَلْبُ الشَّابِّ وَسَرَتْ فِي جِسْمِهِ رَعْدَةٌ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّبُ أَنْ يَقُصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى الشَّيْخِ الْعَظِيمِ، وَلَكِنَّهُ رَأَى طَلَاقَةَ وَجْهِ الشَّيْخِ وَإِقْبَالَهُ عَلَيْهِ فَشَجَّعَهُ ذَلِكَ عَلَى الْحَدِيثِ فَقَالَ: «أَرِقْتُ الْبَارِحَةَ وَنَابَنِي ضِيقٌ شَدِيدٌ، فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ، وَصَلَّيْتُ النَّفْلَ وَأَوْتَرْتُ، وَدَعَوْتُ اللَّهَ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَى فِرَاشِي فَغَلَبَتْنِي عَيْنَايَ، وَرَأَيْتُ كَأَنِّي ضَلَلْتُ طَرِيقِي فِي بَرِّيَّةٍ قَفْرَاءَ فَجَلَسْتُ عَلَى صَخْرَةٍ أَبْكِي، وَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ بِكَوْكَبَةٍ مِنَ الْفُرْسَانِ قَدْ أَقْبَلَتْ، يَتَقَدَّمُهَا رَجُلٌ أَبْيَضُ جَمِيلُ الْوَجْهِ، عَلَى رَأْسِهِ جُمَّةٌ تَضْرِبُ فِي أُذُنَيْهِ، فَلَمَّا رَآنِي أَشَارَ لِأَصْحَابِهِ فَوَقَفُوا وَتَرَّجَلَ عَنْ فَرَسِهِ، وَدَنَا مِنِّي فَأَنْهَضَنِي بِقُوَّةٍ، وَضَرَبَ عَلَى صَدْرِي، وَقَالَ لِي: سَتَمْلِكُ مِصْرَ وَتَهْزِمُ التَّتَارَ». فَسَكَتَ الشَّيْخُ هُنَيْهَةً مُتَعَجِّبًا مِنَ الرُّؤْيَا، ثُمَّ قَالَ: «مَا زِلْتَ تُفَكِّرُ فِي الْمُلْكِ وَهَزِيمَةِ التَّتَارِ يَا قُطُزُ حَتَّى أَتَاكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَشَّرَكَ بِهِمَا، إِنَّهَا لَرُؤْيَا عَظِيمَةٌ كَمَا ذَكَرْتَ، فَإِنْ تَكُنْ صِدْقًا فَسَتَمْلِكُ مِصْرَ حَقًّا وَتَهْزِمُ التَّتَارَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآَنِي حَقًّا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي». فَجَعَلَ الشَّابُّ يُقَبِّلُ رَأْسَ الشَّيْخِ وَيَلْثَمُ يَدَهُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «بُشْرَاكَ اللَّهُ يَا سَيِّدِي»، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ مُمَازِحًا: «مَا بُشْرَايَ إِذَا تَحَقَّقَتْ رُؤْيَاكَ وَصِرْتَ مَلِكًا عَلَى مِصْرَ؟». فَسَكَتَ قُطُزُ قَلِيلًا وَهُوَ يَبْتَسِمُ كَأَنَّهُ يُعِدُّ فِي نَفْسِهِ جَوَابًا لِلشَّيْخِ ثُمَّ قَالَ، وَقَدْ لَمَعَتْ عَيْنَاهُ: «لَوْ كُنْتَ يَا سَيِّدِي الشَّيْخَ تُحِبُّ الدُّنْيَا لَسُقْتُ إِلَيْكَ بَدَرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَلَكِنِّي سَأَرْجِعُ إِلَى رَأْيِكَ فِي كُلِّ شُؤُونِ مُلْكِي، فَأُقِيمُ الشَّرْعَ، وَأَنْشُرُ الْعَدْلَ، وَأُحْيِي مَا أَمَاتَ النَّاسُ مِنْ سُنَّةِ الْجِهَادِ، فَهَذِهِ بُشْرَاكَ عِنْدِي». فَفَرِحَ الشَّيْخُ مِنْ حُسْنِ جَوَابِهِ، وَاسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ الْقَمَرُ، وَقَالَ: «إِنَّكَ لَصَادِقُ الْقَوْلِ وَصَالِحُ الْعَمَلِ يَا قُطُزُ، وَإِنَّكَ لَجَدِيرٌ بِأَنْ تَكُونَ مَلِكَ الْمُسْلِمِينَ»، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَقِّقْ رُؤْيَا عَبْدِكَ قُطُزَ كَمَا حَقَّقْتَهَا مِنْ قَبْلُ لِعَبْدِكَ وَرَسُولِكَ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ السَّلَامُ...»، وَلَمْ يَكَدِ الشَّيْخُ يُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِهِ حَتَّى رَأَى الْبُكَاءَ فِي عَيْنَيْ قُطُزَ، فَظَنَّهُ أَوَّلَ الْأَمْرِ يَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ انْخَرَطَ فِي الْبُكَاءِ وَرَآهُ يَزْفِرُ بِشِدَّةٍ تَكَادُ تَشُقُّ صَدْرَهُ وَتَقْصِمُ أَضْلَاعَهُ، فَدَنَا الشَّيْخُ مِنْهُ وَسَأَلَهُ عَمَّا يُبْكِيهِ فَأَجَابَهُ الشَّابُّ بِصَوْتٍ يُخَالِطُهُ النَّشِيجُ: «لَقَدْ عَلِمْتُ يَا مَوْلَايَ الشَّيْخَ أَنَّ اللَّهَ سَيَسْتَجِيبُ دُعَاءَكَ لِي، فَذَكَرْتُ حَبِيبَتِي جُلَّنَارَ، وَعَزَّ عَلَيَّ أَنِّي لَنْ أَرَاهَا أَبَدًا، فَوَدَدْتُ لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَنِي بِهَا»، فَرَقَّ لَهُ الشَّيْخُ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا لَهُ أَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ بِهَا عَلَى سُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
- الفكرة الرئيسة
- رُؤْيَا قُطُزَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِشَارَتُهُ بِمُلْكِ مِصْرَ وَهَزِيمَةِ التَّتَارِ وَدُعَاءُ الشَّيْخِ لَهُ.
- نَضْرَةٍ: حُسْنٍ وَرَوَاقٍ وَبَهْجَةٍ
- بَاهَاءٍ: جَمَالٍ وَبَهَاءِ ظَاهِرٍ
شبكة الأفكار
انتقال قطز إلى كنف ابن الزعيم ودوره الوطني مع الشيخ العز بن عبد السلام
- الانتقال والتسلية بالعبادة: انتقال قطز إلى كنف ابن الزعيم بفضل خطة الحاج علي الفراش.، إقبال قطز على العبادة وحضور دروس الشيخ العز بن عبد السلام.
- اللقاء بالشيخ وائتمانه على الأسرار: زيارة الشيخ ابن عبد السلام لدار ابن الزعيم ومعرفته نسب قطز الملكي.، اعتماد الشيخ وابن الزعيم على قطز كرسول أمين لنقل الرسائل السياسية.
- مواجهة خيانة الصالح إسماعيل: تحالف الصالح إسماعيل مع الصليبيين وتفنيد الشيخ لفعلته على المنبر.، فرض الإقامة الجبرية على الشيخ وتنكر قطز في زي حلاق للتواصل معه.
- الرؤيا المباركة والبشارة: رؤية قطز للنبي صلى الله عليه وسلم وبشارته بملك مصر وهزيمة التتار.، دعاء الشيخ العز بن عبد السلام لقطز بالتحقيق والجمع بينه وبين جلنار.
القيم والدروس المستفادة
- التمسك بالعقيدة والعبادة واللجوء إلى الله في أوقات الهموم والحزن.
- الشجاعة والجهاد بالكلمة والحق في مواجهة الخيانة والظلم.
- الأمانة والوفاء للوطن والدين والعمل على توحيد صفوف الأمة.
الملخص في خمس جمل
- انتقل قطز إلى كنف السيد ابن الزعيم بدمشق بفضل خطة الحاج علي الفراش وعامله بسعة وعطف.
- واظب قطز على العبادة وحضور دروس شيخ الإسلام العز بن عبد السلام بالجامع الكبير.
- عرف الشيخ نسب قطز الخوارزمي وأثنى عليه، واعتمد عليه هو وابن الزعيم في نقل الرسائل السياسية السرية.
- أنكر الشيخ العز بن عبد السلام خيانة الصالح إسماعيل وتحالفه مع الصليبيين على المنبر ففرضت عليه الإقامة الجبرية.
- تنكر قطز في زي حلاق للتواصل مع الشيخ، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يبشره بملك مصر وهزيمة التتار.

